في سورة مريم، تقف امرأة وحيدة، مكللة بوجع المخاض وثقل حدث لم ترتكبه، تحت نخلة تبدو أنها بلا ثمار وفي مكان بعيد. لم تكن صدمتها في وجع الجسد فحسب، بل في قسوة الموقف ونظرات المجتمع الوشيكة. بلغ بها الألم العاطفي والنفسي مبلغه، حتى انطلقت من صميم روحها الكسيرة تلك الصرخة البشرية العميقة:
(يَا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً). لم تكن هذه تمنياً للموت انتحاراً أو يأساً مطبقاً من رحمة الله، بل كانت انعكاساً للحظة إنسانية خالصة، تتجسد فيها رغبة النفس في الهروب من "شعور بالعار والضغط" لا يطاق، شعور أثقل من الجبال حتى بدا الموت معه مخرجاً أخف وطأة من ألم البقاء.
عندما يصبح الألم النفسي أثقل من الموت
في العيادة النفسية، نلتقي كل يوم بأرواح تكرر صرخة مريم دون أن تدرك. علمياً واضطرابياً، لا يفكر الإنسان العادي في الموت رغبةً في العدم، بل رغبةً في "توقف الألم". حين يتعرض الجهاز العصبي لصدمات متراكمة، أو شعور حاد بالعار ، أو خذلان عميق، أو ضغط نفسيّ يتجاوز قدرة آلية الدفاع النفسي على التكيف (Overwhelm)، يحدث ما يشبه بالخلل الكهربي في الدماغ. في تلك اللحظة الحرجة، يتوقف العقل عن الاعتراف وإدراك قيمة الحياة ، ويصبح الموت أو التلاشي هو الخيار الوحيد الذي يلوح في أفق الوعي كمهرب نهائي من عذاب الشعور. الإنسان لا يفضل الموت هرباً من الحياة ذاتها، بل هرباً من "شعور لا يُطاق" بأن يكون منبوذاً، مكسوراً، عاجزاً، أو محاصراً في زاوية ضيقة من العار أو الألم المزمن الذي لا يشهد عليه أحد.
ثقل التاريخ والوجود
عبر آلاف السنين من تاريخ البشرية، لم تكن الحضارات تخاف من الموت بقدر ما كانت تخاف من "الوصمة والعار". في المجتمعات القديمة، كان طرد الفرد من القبيلة أو وصمه بالعار أشبه بشعور النفي فتسلب منه الامتيازات وحصانة الجماعة، وهو أمر كان يفعِّل لدى الإنسان غريزة الاستجابة للتهديد (Fight or Flight) بطريقة مدمرة. الآثار والملاحم البشرية القديمة مليئة بقصص أبطال فضلوا الموت الشريف على العيش تحت وطأة شعور بالمهانة أو الخزي. وهذا يعطينا مشهد واحد فقط من المشاهد التي تؤكد حقيقة التعقيد النفسي والاجتماعي لدينا ؛ وحين تتشقق مرآة صورته أمام نفسه وأمام مجتمعه، يتصدع بنيانه النفسي، ويصبح الوجع الداخلي أثقل من أن يحمله الجسد.
إن صرخة (يا ليتني مت قبل هذا) لم تكن سوى دلالة لعمق الضعف البشري، وضرورة أن تكون هناك قوة عظمى أو معنى يتجاوز الموقف، وفي الوقت ذاته.فحين يمر الإنسان بلحظات يشعر فيها أن الألم فادح، وأن العار أو الضغط النفسي يكاد يسحق روحه، عليه أن يتذكر أنه ليس أول البشر نطق بهذا التمني، وأن تحت كل مخاض نفسي عسير، هناك شيء ما يولد، ومعجزة خفية تتربب في خلوات الألم.
قف مع نفسك وتأمل.. هل الألم الذي تعيشه اليوم هو نهاية المطاف، أم أنه مجرد مخاض لنسخة أعمق وأقوى منك لم تكتمل بعد؟
