قد يكون مُربكًا أن يكتب مختص نفسي عن التاريخ في ظل زمن التخصصية، وربما أحيانًا المحدودية في الأدوار، وخصوصًا إن كان هذا الدور يتعلق بالتفاعل البشري. يتحتم علينا حينها أن نتكلم بلغة يتوقع القارئ أو السامع مسبقًا كيف تكون، ولهذا تسمع أحيانًا من يقول: (ما كأنه مختص نفسي!). ولهذا مسوّغات أفهمها، ولها تبريرات معقولة، لديّ السعة والصبر للتعامل معها، وأرحم أصحابها كذلك الذين لم يتسنَّ لهم التفكير بشكل نقدي أو مجرد.
ولكن دعني هنا أحدثك عن سيكولوجية الزمن الذي يُعدّ الإنسان جزءًا لاحقًا منه؛ فالزمن والسماوات والأرض جميعها خُلقت من قبل أن يُخلق الإنسان ثم يهبط إليها. فكان لذلك أثر في تركيبته، هذه التركيبة التي هبطت وهي تحكمها الفطرة والعلم المسبق، وأقصد هنا العلم بالأسماء التي هي من أهم ما يكون في التعامل مع التحديات؛ فكيف لك أن تتعامل مع شيء لا تعرف أن تسمّيه أو تصفه!
كيف يعلّمنا الوطن عن أنفسنا
في ظل الأحداث التي امتدت لسنوات، ولكنها أخذت منحى آخر في هذين الأسبوعين، منحى جعلنا نعيد التفكير ربما فيما يجب أن نلقي له بالًا.
ولأن المختص النفسي لا يقف خارج المشهد بل يعيشه كما يعيشه الجميع، وجدتني أراقب ما يحدث فينا قبل أن أراقب ما يحدث حولنا. لاحظت أن أسئلة كثيرة كانت تشغلنا قبل أيام قليلة تراجعت فجأة إلى الخلف: خلاف عابر مع صديق، قلق من قرار مهني، انزعاج من تفاصيل يومية كنا نظنها كبيرة. لم تختفِ هذه الهموم، لكنها صغُرت. وتقدّمت مكانها رسالة قصيرة تتكرر في هواتفنا: "طمّنونا عليكم"، ودعاء يتردد في البيوت دون أن يطلبه أحد، وسؤال عن جار لم نسأل عنه منذ زمن.
هنا يعلّمنا الوطن شيئًا عن أنفسنا لم نكن ننتبه له في أيام الرخاء: أننا لسنا جزرًا منفصلة، وأن هويتنا ليست ما نملكه أو ما ننجزه فقط، بل ما ننتمي إليه أيضًا.
ماذا تقول المرآة؟
حين ننظر في مرآة التاريخ، نجد أن هذه ليست المرة الأولى التي يكتشف فيها البشر هذا عن أنفسهم.
في أثناء الحرب العالمية الثانية، توقّع كثيرون أن يؤدي القصف المتكرر للمدن البريطانية إلى انهيار نفسي واسع بين السكان. لكن الدراسات التي أُجريت لاحقًا، ومنها عمل عالم النفس إرفنغ جانيس عن الضغوط الانفعالية في زمن الحرب الجوية، وجدت أن الانهيار المتوقع لم يحدث بالحجم الذي خُشي منه، وأن الناس تكيّفوا بدرجة فاجأت الباحثين أنفسهم.
وقبل ذلك بعقود، لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في دراسته الشهيرة عن الانتحار أن معدلاته كانت تنخفض في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى والحروب. وكان تفسيره أن هذه الأزمات تعيد ربط الأفراد بجماعتهم، فتشتد اللحمة الاجتماعية، ويشعر الفرد أنه جزء من كيان أكبر منه.
وتحدث ابن خلدون في مقدمته " عن "العصبية" بمعناها،أي التلاحم والشعور بالمصير المشترك، سرّ قوة الجماعات وقدرتها على الصمود، وأن الجماعة التي يشد بعضها بعضًا أقدر على مواجهة الشدائد من الأفراد المتفرقين مهما بلغت قوتهم.
ما الذي تقوله لنا المرآة إذن؟ تقول إن الألم المشترك، على قسوته، يحمل في داخله شيئًا لا يحمله الألم الفردي: إنه لا يتركك وحدك.
المعنى في رحم الألم
كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، بعد أن نجا من معسكرات الاعتقال النازية، أن الإنسان يستطيع أن يحتمل ألمًا كبيرًا إذا وجد له معنى، وأن ما يكسرنا في الغالب ليس المعاناة ذاتها بل المعاناة التي لا نفهم لها سببًا ولا نجد لها مكانًا في قصتنا.
والمعنى هنا لا يعني أن نحب الألم أو نتظاهر بأنه غير موجود، بل أن نضعه في سياق أوسع منه. حين أشعر بالخوف وحدي، يكون خوفي هو العالم كله. لكن حين أعرف أن ملايين يشاركونني القلق نفسه، والدعاء نفسه، والأمل نفسه، يصبح خوفي جزءًا من قصة أكبر، قصة وطن يمر بمرحلة صعبة كما مرّ بغيرها، وكما مرّت بها أمم قبلنا ثم عبرت.
هذا هو الارتياح الذي أقصده: ليس ارتياح غياب الخطر، بل ارتياح الانتماء. أن تكون همومنا الشخصية أصغر حجمًا لأنها لم تعد وحدها، وأن نجد في "نحن" ما لم نجده في "أنا".
أن نسمّي ما نشعر به
أعود هنا إلى ما بدأت به: العلم بالأسماء. من أول ما تعلّمه الإنسان أن يسمّي الأشياء، ومن أهم ما يحتاجه اليوم أن يسمّي ما يشعر به.
في العيادة، نلاحظ أن مجرد تسمية الشعور بدقة يخفف من حدته؛ أن تقول "أنا خائف" أو "أنا قلق على أهلي" بدل أن تحمل ثقلًا مبهمًا لا تعرف له اسمًا. وهذا ما تفعله الجماعة حين تتحدث بصدق: تمنح الخوف اسمًا مشتركًا، فيصبح شيئًا يمكن الحديث عنه واحتماله، لا شيئًا يُحمل في الصمت.
ختامًا
نحن جزء لاحق من الزمن، جئنا إلى أرض سبقتنا وستبقى بعدنا. وما نعيشه اليوم سيصبح يومًا صفحة في تاريخ يقرؤه من يأتون بعدنا. والسؤال الذي أتركه معك ليس: متى ينتهي هذا؟ بل: حين تنظر الأجيال القادمة في مرآة هذا الزمن، كيف سيروننا؟