عندما تتابع السردية في خلقنا كبشر ، وأقصد هنا هو المقارنة بيننا كمخلوقات ناطقة، مفكرة و متغيرة وبين المخلوقات الآخرى في هذا الكون الفسيح، فالله خلقنا وعلمنا الأسماء كلها، جيد ! اذاً لماذا لا نعرف في أوقات كثير أن نسمي الأشياء باسماءها، أو ربما نصيغها في سؤال آخر من الذي ساهم في التشتيت، الضياع و جعلنا نستورد كل شيء بما فيهم المخاوف أحياناً .. و ربما القيم. و هذا موضوع المقال اليوم.
أنا لا اتحدث هنا بصفتي مختص نفسي يدرس السلوك، يحلله ويتنبأ به ولا بصفتي معالجة نفسية تفكك المفاهيم والمشاعر الغير مبررة بالنسبه لأصحابها ( أقصد هنا أن جُل المعاناة هو أن لا نفهم ، لماذا يحدث لنا ما يحدث ! ) انما اكتب هنا عن الإنسان، الذي مل و ضل، فالملل أجتاح كيانه من الوفرة وربما التكرار العاري من المعنى والضلال هنا ، هو ضياع البوصلة و فقدان خارطة الطريـــق.
كيف تتكون النزعة الفكرية؟
يقول كارل يونغ إن النزعة الفكرية غالباً ما تكون غطاءً شائعاً للخوف من التجربة المباشرة، ولعله يقصد هنا أن التمسك بالفكرة، بالتنظير، بإعادة صياغة الأشياء في قوالب معرفية جاهزة، هو في كثير من الأحيان مسافة آمنة نضعها بيننا وبين ما يخيفنا أن نعيشه مباشرة دون وسيط. فحين نحول الحدث الحيّ إلى مفهوم، نكون قد جردناه من قدرته على أن يؤلمنا، أو يفاجئنا، أو يهزنا من مكان لا نتحكم فيه. النزعة الفكرية إذاً ليست دائماً حباً صافياً للمعرفة، بل قد تكون أحياناً إتقاناً للهروب، هروباً يتنكر في شكل التأمل.
لكن هذا لا يعني أن كل نزعة فكرية هي خوف مقنّع. فهناك من يفكر لأنه يريد أن يفهم كيف يعيش بما يتوافق مع ما يؤمن به، لا كيف يتجنب ما يخشاه. هنا يصبح السؤال أكثر دقة: متى تكون الفكرة درعاً، ومتى تكون بوصلة؟ الفرق الدقيق بينهما ليس في الفكرة نفسها، بل في العلاقة التي نبنيها معها. الفكرة التي تحمينا من التجربة تنمو باتجاه الداخل، تتقوقع، تصبح أكثر تعقيداً كلما اقتربت الحياة منها أكثر. أما الفكرة التي تنبع من قيمة حقيقية، فتنمو باتجاه الفعل، تدفعنا للاقتراب لا للابتعاد، وتتيح لنا أن نُختبر ونُخطئ ونُعاد تشكيلنا من جديد.
من علّمنا أن نخاف قبل أن نسمّي؟
وهنا نعود إلى سؤال الأسماء. فإذا كنا قد وُهبنا القدرة على تسمية الأشياء، أي على تمييزها، وفرزها، وفهم جوهرها قبل أن نُلبسها لغة، فإن أول ما نفقده حين نكبر ليس القدرة على التسمية، بل الثقة في أن تسميتنا كافية. نتعلم مبكراً، من البيت، من المدرسة، من المجتمع، أن هناك تسميات "معتمدة" للأشياء، وأخرى "خطيرة" أو "غير لائقة" أو "غير ناضجة". فنبدأ، دون وعي منا غالباً، باستبدال ما نراه بأعيننا بما يُفترض أن نراه. هذا هو بالضبط ما أقصده بـ"الاستيراد": أن نتبنى مخاوف لم نعشها، وقيماً لم نختبرها، لمجرد أنها وصلتنا معبأة، جاهزة، ومصحوبة بشرعية اجتماعية تُغنينا عن عناء التحقق منها بأنفسنا.
والمفارقة أن هذا الاستيراد لا يقتصر على المخاوف وحدها. فنحن كذلك نستورد قيمنا، أو ما نظن أنه قيمنا، من محيط قد لا يشبهنا تماماً: من عائلة تحمل جراحها الخاصة، من ثقافة تتوارث أنماطها دون أن تُعيد فحصها، من خطاب اجتماعي أو ديني أو حتى علاجي يُبسّط التجربة الإنسانية المعقدة في تصنيفات مريحة. وهنا يصبح من الصعب أن نميز: هل هذه القيمة التي أدافع عنها بحماس هي فعلاً ما أومن به، أم أنها ذاك الشيء الذي وُرِّثته وأعدت تغليفه بلغة أكثر نضجاً؟
من هنا يمكن أن نفهم لماذا يمل بعضنا رغم الوفرة، ولماذا يشعر آخرون بالضياع رغم امتلائهم بالمعرفة والأفكار والنظريات. فالوفرة، حين لا ترتبط بتجربة مباشرة أو قيمة أصيلة، تتحول إلى ضجيج داخلي، إلى تكرار لا يقود إلى مكان. نجمع الأفكار كما نجمع الأشياء، دون أن نسأل أنفسنا: هل هذه الفكرة تعبّر عني، أم أنني أختبئ خلفها؟ وهل هذا الخوف الذي أحمله هو خوفي أنا، نابع من تجربتي، أم أنه خوف استعرته من شخص آخر لأنه بدا "أكثر منطقية" من أن أثق بحدسي الخاص؟
الإجابة، في تقديري، ليست في التخلي عن الأفكار أو النظريات لصالح "تجربة خام" مثالية لا وجود لها، فنحن كائنات تحتاج للمعنى واللغة والإطار كي تفهم ذاتها. الإجابة أقرب إلى مساءلة مستمرة لكل نزعة فكرية نتبناها: من أين أتيت؟ وهل أنت حارسة لي، أم حاجزة بيني وبين نفسي؟
استعادة البوصلة
لعل الخطوة الأولى نحو استعادة القدرة على "تسمية الأشياء بأسمائها" هي أن نعيد للتجربة المباشرة مكانتها، قبل أن نلبسها أي مفهوم جاهز. أن نسمح لأنفسنا أن نشعر بالشيء أولاً، ثم نبحث له عن اسم، لا أن نبحث عن اسم يبرر لنا ما يجب أن نشعر به. هذا التمرين البسيط، في جوهره، هو ما يفرّق بين إنسان يحمل أفكاره كدروع يحتمي بها من الحياة، وإنسان يحمل قيمه كخرائط يهتدي بها إليها.
فالنزعة الفكرية، في نهاية المطاف، ليست خطأً يُصحَّح ولا فضيلة تُمجَّد بذاتها. هي مرآة. وحدنا من يقرر إن كنا سننظر فيها لنرى خوفاً نخشى مواجهته، أم قيمة نستحق أن نعيشها.
