كل الخوف والتردد الذي تحمله في داخلك، ذاك الذي يشلّ خطواتك ويؤجل قراراتك، ليس سوى نتاج وهمٍ قديم: وهم أنك تملك القدرة على التحكم الكامل بمجريات حياتك. والحقيقة أبسط وأقسى في آن: ليس لك من الأمر شيء.
ما تملكه فعلاً هو العمل، والسعي، والاختيار "إن استطعت"، والمضي قدماً. تعمل لأجل نفسك، ولأجل رسالتك، ولأجل واجباتك تجاه من حولك. لا تحاول أن تتنصل من شيء، فما تهرب منه اليوم سيلاحقك طوال عمرك. أنت جنديٌ في هذه الحياة، وأدوارك تتبدل بتبدل الأحداث، لا بإرادتك وحدها. فلا أحد يختار مرضه حتى وإن كانت له أسباب، ولا أحد يختار الأرض التي وُلد فيها وعاش وانتمى إليها رغماً عنه.
يشرح عالم النفس جوليان روتر هذه الفكرة من خلال مفهومه المعروف بـ"مركز الضبط" (Locus of Control)، والذي يميّز بين من يرى أن مصدر التحكم في حياته داخلي (يعتمد على قراراته وجهده)، ومن يرى أنه خارجي (يعتمد على الحظ أو الظروف أو الآخرين). والحقيقة، كما تكشفها تجارب الحياة، أكثر تعقيداً من هذا الثنائي: فهناك ما هو خارج عن إرادتنا فعلاً، كالمرض والمكان والزمان الذي وُلدنا فيه، وهناك ما يبقى بين أيدينا رغم كل شيء، وهو موقفنا مما نواجهه، وما نختار أن نفعله به.
هنا تكمن المسألة الحقيقية: في فهمك. لكن هذا الفهم لا يبدأ من فهمك لذاتك بمعزل عمّا حولك. وقد يكون هذا الكلام صادماً حين يصدر عن مختصة نفسية، لكن الحقيقة تبقى كما هي مهما حاولنا تجميلها: معرفة الذات، بمعناها الشائع، لن تمنحك إياها دورة تدريبية، ولا حتى مكالمة مع أبرع خبراء علم النفس.
فهمك لنفسك ينبع، أولاً وقبل كل شيء
من فهمك للحياة، ولدورك الحقيقي فيها. وهذا ما تحدث عنه فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الذي نجا من معسكرات الاعتقال النازية، حين أسّس لمدرسة "العلاج بالمعنى" (Logotherapy)، مؤكداً أن الإنسان قادر على تحمّل أقسى الظروف إن وجد لها معنى، وأن الحرية الحقيقية ليست في التحكم بما يحدث لنا، بل في اختيار موقفنا مما يحدث. من هنا تُبنى المرجعيات والقيم والمعتقدات التي تتمسك بها، وتصبح أصيلاً، وتُعرّف عن نفسك بهوية واضحة، متسقة مع أفعالك لا مع أقوالك فقط.
أكتب هذه الكلمات بعد ثلاث سنوات من تجارب وصدمات، زادت رصيد فهمي لذاتي بنسبة 5% إضافية فقط. ولن أخبرك بالإجمالي، حتى لا يتحول الأمر إلى قياس ذاتي بالأرقام، رغم أنني هكذا أراه أحياناً.
فكيف تراه أنت؟ هل فهمت نفسك؟
