منذ عام ٢٠١٤ وكنت لا أنفك عن أروقة التعليم، وأقصد هنا التعليم الممنهج في الجامعة، الذي ينصب في عقلي في أوقات محددة و ربما أهداف أيضاً.ما أكتشفته في هذه الرحلة أنني أجد متعة لا توصف في قراءة أو دراسة أي علم واسع النطاق كالدراسات الإسلامية مثلاً - هي ما بدأت بها مسيرتي الدارسية - حتى انتقلت بعدها لدراسة علم النفس. ولهذه الانتقالة قصة. دعني أسردها لك لتتابعي معي إن شئت.
بدأ عامي الأول في الجامعة وفي عقلي الكثير من التساؤلات وربما الاعتراضات التي تُرجمت أحيانا في احتجاجات لفظية أو نفسية اما لتثبيت موقفي أو للتراجع للتقييم و رفض للأحكام المسبقة. دعني أخبرك ما حدث هنا، عند تعريفي عن نفسي في كل مره بأنني طالبة في قسم الدراسات الاسلامية، اتلقى فورا فحص بصري من رأسي حتى قدماي و تليها جمل استنكارية عن اهتمامي بمظهري أو ميولي الشخصية للسخرية أحياناً أو الحس الفكاهي. وكل ذلك في نطاق مجتمعي مقبول وهو المشاركة وابداء الرأي في بعضنا البعض و ربما أحيانا فرض التوقعات التي لم تعرف نفسك بها سابقاً سوى انك اخبرتهم بأنك تدرس علم ما.
حينها اكتشفت أمر عجيب ! وهو أن المجتمع لا يتعامل مع العلوم الشرعية كعلم، بل كـ “كتالوج للسلوك”. بمجرد انتمائي لهذا القسم، سلبني الآخرون حق “التعددية”؛ فإما أن أكون نسخة من توقعاتهم عن “طالبة العلم الشرعي” بوقارها المفرط وجمودها الاختياري، أو أنني في حالة “نشوز” عن القاعدة.
هذا الفحص البصري الذي ذكرتُه، لم يكن مجرد فضول، بل كان “محاكمة صامتة”. كانوا يبحثون عن “الفجوة” بين مظهري وبين تخصصي. وهنا ولدت شرارة اهتمامي بعلم النفس؛ كنت أريد أن أفهم: لماذا يضعنا الناس في قوالب؟ ولماذا نشعر بالخوف والارتباك عندما لا نتطابق مع تلك القوالب؟
الدين كقالب وليس كفضاء واسع
نحن نخاف الدين لأننا، وبسبب هذه الممارسات الاجتماعية، ربطناه بـ "فقدان الذات". نخاف أن "نتدين" فنتحول إلى أشخاص لا يشبهوننا، نضطر لقتل حسنا الفكاهي، وإخفاء اهتمامتنا الشخصية، وارتداء "أقنعة بيضاء" دون فهم لماذا وكيف تكون هذا الاهتمام ! ، – بتعبير الطبيب النفسي والفيلسوف فرانتز فانون – لكي نُقبل في هذا الإطار. الخوف هنا ليس من الله، بل من "النسخة" التي سيفرضها علينا المجتمع باسم الدين.
لهذا، انتقالي لعلم النفس لم يكن هروباً من الدراسات الإسلامية، بل كان بحثاً عن “الأدوات”. أردتُ أن أحرر “النص الديني” من “القالب الاجتماعي”. أردتُ أن أقول إن الإنسان يمكنه أن يكون متصلاً بالخالق، وفي الوقت ذاته، يملك قدماً ثابتة على الأرض، يحب الجمال، ويمارس السخرية الذاتية، ويتمتع بروح حرة.
إننا نخاف الدين لأننا نخشى “الأحكام المسبقة عن الذات”. نخشى أننا إذا اقتربنا، سنُحرم من إنسانيتنا التي جزء لا يتجزأ منها هو الخطأ. تعلمت حينها أن التحرر الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن الدين جاء ليحررنا من قوالب الناس، لا ليزج بنا في قوالب جديدة.
أخبرني، أتخاف من الدين ام من نفسك التي صوروها لك ؟
