للإنسان قدرة على التمحور حول ذاته بطريقة أستطيع أن أقول عنها فطرية و هي جزء من تكوينه، ففي مراحل النمو هناك مرحلة في الطفولة تكون فيها الشخصية متمحوره حول ذاتها، والعلم هُنا كان له وقفة وبالتالي قام بدراستها وتفسيرها و تصنيفها بأنها “ رد فعل طبيعي “ يتناسب مع الحالة العقلية والنفسية للطفل في هذا الوقت. فهو حتى يستطيع أن يتعلم ويفهم ديناميكة الكون والمخلوقات من حوله يجب أن يتمحور حول ذاته،وكأنها هي الطريقة الوحيدة التي يملكها بغرض الفهم، فتبدأ رحلة الاستيعاب من فهم نفسه أولاً ومن ثم للعالم من حوله.
تبني الأخطاء الغير مقصودة
نتبنى في مرحلة ما في حياتنا وهي في الغالب المرحلة الخادعة التي نبدأ في اكتشاف أنفسنا فيها و نظن أننا وصلنا للفهم والاستيعاب الكامل لكل شيء، فندافع باستماته عن أفكارنا و ربما نطالب الجميع بالإيمان بها. وهنا أنا لا أصف المراهق الأهوج بل أقصد هنا من أكمل في هذه المرحلة حتى سن متقدم من العمر، وأظن في هذه اللحظة صورت لك ذاكرتك شخص ما تعرفه و ربما تتعامل معه كل يوم !
ما الذي يحدث لنا حين نقف عن التعلم، وخصوصاً التعلم العاطفي ! في الحقيقة أرى انه تحدث حالة أو سلوك اسميه تبني الاخطاء الغير مقصودة، وهي مزيج من احتياجات لم تُشبع منذ الطفولة و أفكار لم تنضج عن الذات والعالم من حوله وتليها طبعا ذات متضخمه ، تضخمها يحجب الرؤية عن ما حولها بما فيها حقيقتها.
وهنا يحدث ما اسميه بالمجهود الضائع، فالمرء يبدا في تشكيل صورته الاجتماعيه و تلميعها ما امكن و بالطبع اختيار من يصادق او بمعنى ادق من يعزز هذه الصوره باستمرار. فتبدأ رحلة الضلال التي كل مافيها هو ضائع.
وصف هذه المعضلة عالم النفسكارل يونغ| Carl Jung، الذي فرّق بين “الأنا” (Ego) وبين “الذات” الحقيقية (Self). يرى يونغ أن المجهود الضائع يحدث عندما يستغرق الإنسان حياته كلها في بناء ما يسمى بـالـ (Persona) أو القناع الاجتماعي. يقول يونغ:
“المهمة الأكثر مشقة التي تواجه الإنسان، ليست في أن يكون مثالياً، بل في أن يكون مكتملًا.”
ويرى أن الهدر النفسي الحقيقي يكمن في إنكار “الظل” واختيار تلميع السطح، وهو ما يمنع عملية “التفرد” (Individuation)؛ أي الانتقال من التمحور حول صورة الذات إلى تحقيق جوهرها.
نحو اللامجهود المستبصر
إن الخروج من دائرة المجهود الضائع يبدأ بلحظة صدق و شجاعة، ندرك فيها أن العالم لا يحتاج لصورنا اللامعة بقدر حاجته لحقيقتنا المتواضعة. إن ديناميكية العلاقة بين كل شيء في هذا الكون تخبرنا بأن الانسياب يحدث حين نتخلى عن المقاومة؛ حين نتوقف عن ممارسة الدعاية لأنفسنا ونبدأ بممارسة الحضور.
وهنا تحديداً و في هذه اللحظة التي نكف فيها عن استجداء التعزيز من الآخرين لصورنا المتخيلة، يبدأ الجهد اللاوعي والغير مباشر في التحول من مجهود ضائع إلى طاقة بناءة.ولكن ! تذكر أنه لا بأس بأن نبدأ بمجهود مباشر وواعي لأجل الحقيقة والأصالة.. فهي في نهاية المطاف ستقودك للاستبصار.
