بداية ، دعنا نتفق عن مفهوم طبيعتنا البشرية ، وهو؛ أننا لا نعيش بمعزل عن الظروف، العوامل المؤثرة والأنظمة ككل. فالإنسان هو ابن سياق، ونتاج نظام، ووريث تاريخ لم يختره. حين أتحدث عن الجروح النفسية، غالباً ما ينصرف ذهنك إلى مرحلة الطفولة أو الذكريات الأسرية التي تشكلت في ذاكرتك على مر السنين، لكن ماذا لو كانت هذه الجروح هي نتاج تاريخ طويل من الصدمات التي شكلتها قرارت القادة و الأنظمة في وقت ما !
كيف بدأت القصة؟
تبدأ من حيث تشكلت اللحظات التي قررت فيها الأنظمة السياسية أن العالم لم يعد يتسع للجميع. ففي خنادق الحرب العالمية الأولى، ظهر ما عُرف بـ "صدمة القذيفة" | Shell Shock. آلاف الجنود ظهرت عليهم أعراض من دون إصابة جسدية واحدة، فكانت الأعراض مزيج من : فقد القدرة على الكلام، أوالإصابة بشلل مفاجئ، أو ارتعاش لا ينقطع.
في ذلك الوقت، وصف القادة العسكريين هؤلاء الجنود بالجبناء. عندها انطلقت تفسيرات علمية بغرض الفهم والتحليل عن ما يحدث، وفسر العلم أن الجسد كان له رأي أخر، بمعنى أصح كان معترض لذلك أعلن عصيانه على المطحنة البشرية التي تحدث ! لأنها ببساطة تحدت فطرة الإنسان التي لم تفطر على هذا الكم من الوحشية والطغيان.
لم تكن تلك الصدمات إلا احتجاجاً بيولوجياً صارخاً ضد نظام عالمي قرر أن قيمة الإنسان تساوي قدرته على الضغط على الزناد. هنا وُلدت الجذور الأولى لفهمنا للصدمة (Trauma)؛ ليس كضعف، بل كاستجابة طبيعية لبيئة غير طبيعية.
كيف تتشكل الجروح النفسية ؟
نحن نعيش اليوم في ظل نظام "الاستحقاق والإنتاجية"، نظام يوهمنا يوماً بعد يوم بأن قيمتنا كبشر مرهونة بما ننتجه، لا بما نحن عليه. هذا النظام الاقتصادي والاجتماعي يخلق جرحاً نفسياً جماعياً يُسمى "عدم الكفاية المزمن". نحن لا نشعر بالقلق لأننا فاشلون، بل لأن النظام يحتاج منا أن نشعر بالقلق لنستمر في الركض.
وعندما نتحدث عن الصدمات المركبة (CPTSD)، فنحن نتحدث عن أفراد نشأوا في أنظمة أسرية، أو تربوية، أو مجتمعية قمعت "الذات الأصيلة" واستبدلتها بـ "ذات وظيفية" ترضي النظام. الجرح هنا ليس حدثاً واحداً كبيراً، بل هو بيئة خانقة تشوه الهوية وتنتقل صامتة عبر الأجيال، لتظهر اليوم كقلق وجودي لدى أحفاد لم يخوضوا الحروب، لكنهم ورثوا صراعاتها.
خطوة للنجاة
هي بالفعل مجرد حركة ، خطوة نحو الفهم والتفكيك، يقول فرانك المختص في العلاج بالمعنى أن النجاة تكمن في إيجاد معنى يتجاوز الظرف الحالي. التعافي هو عملية استعادة الملكية على قصتنا الشخصية، ولعل أوضح مثال هنا، هم أصحاب الأرض الذين يُجبرون على العيش فيها وفق شروط وأوامر مستعمريها ومحتليها؛ كأهلنا في فلسطين اليوم، وكالهنود الحُمر وغيرهم من الشعوب المقهورة عبر التاريخ. إن هؤلاء، لو لم يجد 'المعنى' طريقاً لأرواحهم، لكانوا قد هلكوا من فرط القهر وقلة الحيلة. فالمعنى ليس فقط أداة للتعافي بل أداة للصمود، الدفاع و ربما تغيير مسار القصة لاحقاً.
