كنت أنوي أن أبدأ المقال بسؤال، ولكن وجدته مُربكاً وهذه ليست غايتي من الكتابة التي أنشرها هنا. أي نعم، ليست غايتي الوحيدة هي التبسيط، ربما لدي غاية كذلك في أن أُعَبِّر، أو أن أُعلن عن نفسي وخلاجاتها؛ ولكن أن أبسط وأجعل الحياة مُحتملةً أكثر عليك، هي غايتي الأسمى. لذلك، دعني أطرح السؤال الآن من غير إرباك: هل يجب أن نتغير؟

حسناً، قبل أن نجيب، دعنا نطرح حقيقة عابرة وهي أن التاريخ يخبرنا باستمرار بمعلومة واحدة تشترك فيها كل التجارب الإنسانية، وهي أن “كل شيء يعيد نفسه”. ومعنى هذا أن تساؤلاتك، معاناتك، وإخفاقاتك اليوم، قد مر بها كلها –أو معظمها– بشرٌ أمثالك منذ آلاف السنين! الوقت الذي كان لديهم هو ذاته لدينا اليوم، قد نختلف فقط في شكل المشتتات؛ فصديقنا الإنسان في العصور الوسطى مثلاً، كانت تتمثل مشتتاته في صراعات البقاء أو ضغوط السلطة والمال، واليوم نحن نعيش التشيت وحدنا على أسرتنا، بلا حاجة حتى للحركة.. فكل شيء بات يتحرك نحوك.

كيف يمنعنا التشتت من الفهم؟

ظاهرياً، يبدو هذا التساؤل بديهياً جداً وبسيطاً، حتى إنك أجبته في ذهنك وقلت: "نعم، طبيعي أن يمنعني التشتت من أن أفهَم". ولكن ما أقصده هنا ليس الفهم لمعلومة في مجال ما، ولا لمحتوى اجتماعي عابر؛ بل ما أقصده هو ذلك الفهم العميق الذي يأتي بعد التلقي، حين نبدأ في المقارنة والتنقيح، ومن ثم تكوين المفهوم الخاص بنا من خلال القراءات لكل من اتفقوا، ولكل من ناقضوا أنفسهم كذلك. هنا تحديداً يحدث التغيير الحقيقي. يقول كارل روجرز Carl Rogers : بأن التغيير الحقيقي لا يحدث بالضغط أو التوجيه الخارجي، بل حين يمنح الإنسان نفسه مساحة للوعي والفهم العميق لذاته، متحرِّراً من ضوضاء التوقعات الخارجية والمشتتات المحيطة. الفهم هنا هو بوابتنا الأولى للقبول والتغيير.

كيف أن يكون لعُمري أعمارٌ مضاعفة؟

قيل قديماً إن من يقرأ أضاف لنفسه عمراً على عمره، أو عاش آلاف الحيوات لغيره، وهي ليست مبالغة؛ فتخيل أن تقرأ تجارب الآخرين الشعورية والفكرية، وتفهم بطريقتهم نتاج تحليلاتهم وفرضياتهم، ومن ثم تحكي أنت قصتك الخاصة.

وهذا يقودنا لسؤال المقال: كم من الوقت يلزمنا؟

الجواب: أنت من يقرره، وهو يعتمد كلياً على قرارك في البدء. كلما تأخرت، كلما كانت الفرصة لتحديد الاتجاه أقل، لأن الاتجاهات كلها تتداخل؛ ولن تجد اتجاهًا رصيناً وأخلاقياً إذا لم تفهم أولاً بعمق ما الذي فعله الآخرون قبلك!

وفي ذات السياق يحضرنا هنا تعبير المحلل النفسي فرويد أن جزءاً كبيراً من صراعاتنا النفسية ودوائرنا المعطلة ينبع من محاولتنا الهروب من مواجهة أنفسنا في اللاوعي. وفي المقابل، يرى فيكتور فرانكل وهو مؤسس العلاج بالمعنى، أن الإنسان لا يجد معناه واتجاهه الحقيقي في الحياة إلا حين يتوقف عن استهلاك مشتتات اللحظة، ويبدأ برحلة التأمل الداخلي والمسؤولية الشخصية.

حتى نغير اتجاهنا، يجب أن نفهم: نحن أين الآن؟ وما هو موقفي من نفسي أولاً؟

لذا، لا تستعجل في إطلاق الأحكام والتوجهات نحو الناس والمجتمع.. ابدأ بنفسك أولاً.