قد تسمع في ملتقى اجتماعي ما نقاشات محتدمة حول قدرة الإنسان على الاحتكام لنفسه أو عقله الصرف، والمقصود غالباً هو الاتكاء على التجارب والخبرات الفردية، سواء تلك التي عاشها المرء بذاته أو استلفها معرفياً وشعورياً من حيوات الآخرين. المثير للتأمل هنا هو لجوء البعض لمعايير مائعة لمحاولة ضبط النقاش، كأن يقول أحدهم: "فلنتحدث بعيداً عن الدين أو الثقافة". وهذا التوق للتجرد "حائر" جداً، بل هو أقصر طريق للجدال العقيم، وربما القطيعة، وفي حالات أقصى.. رمي بعضنا البعض بالكراسي!
فخ التجرد
يقول فرانتز فانون “ الإنسان هو ابن سياقه، ومحاولة التجرد هنا هي نوع من "الاغتراب" عن الذات. لذلك جملة مثل "بعيداً عن الدين أو الثقافة" هي فخ منطقي. فالدين والثقافة ليسا "قبعة" نرتديها ونخلعها، بل هما "العدسة" التي نرى بها العالم. محاولة نزع العدسة لا تجعلنا نرى بوضوح، بل تجعلنا "عمياناً" نتخبط وبالتالي لا وصول.
وهذا يقودنا لتفكيك مفهوم التجرد، في محاولة تبرير مني بأنه ليس المقصود من هذا المقال هو النهي أو المنع من أن نتجرد بل هو كيفية أن نتجرد دون انسلاخ أو احياء لصراعات قد لا نستطيع التعامل معها بتجرد غير و اعي. فدعني أحدثك عن التجرد بوعي وهو ببساطة الأمر القدرة على مراقبة انحيازاتنا ومرجعياتنا دون إنكارها. أي أنني أتحدث وأنا أعرف أنني (مسلم، عربي،حجازي …)، لا أن أدّعي أنني عقل مجرد يجوب الفضاء.سأذكر لك مثالاً عملياً عن القدرة الرقابية. في عام ٢٠١١ وكان وقتها الجميع منشغل في خضم الأحداث الاجتماعية والسياسية سألني أحدهم مستنكراً متابعتي ومحاولاتي لفهم ما يحدث دون أن يكون لي رأي معلن، فقال لي : أترين، أصاب الناس الجنون ! الكل يعتقد انه قادر على تغيير واقعه يا لها من صبيانة. فقلت له : وما هي مرجعيتك التي شخصت بها الناس بالجنون ؟ فلم يرد.
التفسير المحتمل في هذه المحادثة العابرة هو محاولاتنا للتنصل أحيانا من مراقبة انحيازنا ومرجعيتنا - التي قد لا نعرفها ولم نصقلها بعد - فعندما كنت أنا في محاولات مستمرة للمراقبة وفهم مرجعيتي وتحيزاتي كان الآخر مشغول في لوم الآخرين و الحكم عليهم، كلانا كنا نعمل للتجرد من الواقع الغير مفهوم لكن أحدنا كان يعمل لغرض المراقبة ومن ثم الفهم والبناء والاخر وقع في فخ التجرد.
لا يتوقف فخ التجرد عند حدود النقاشات الفكرية، بل يمتد ليشكل كيمياء علاقاتنا الإنسانية. وهنا تظهر مفارقة عجيبة؛ فالتجرد سلاح ذو حدين، تعتمد قيمته على "المسافة" بيننا وبين الآخر. ففي العلاقات الحميمة والقريبة جداً، يكون التجرد "بوابة للشفاء". المقصود هنا هو "التجرد من الأنا" ومن الرغبة في الانتصار في كل خلاف. عندما نتجرد بوعي من أحكامنا المسبقة تجاه الشريك أو الصديق المقرب، ونسمح لأنفسنا برؤيته بـ "عدسة" التجرد من موروثات الغضب أو التوقعات المثالية، نعطي مساحة للنمو الشخصي. هذا النوع من التجرد هو الذي يسمح بالتعافي، لأنه يستبدل "الدفاع" بـ "الفهم".
على النقيض تماماً، نجد أن محاولة "التجرد" في العلاقات الاجتماعية العامة أو السطحية غالباً ما تنتهي بانتهاك الحدود. عندما نتجرد من "رسمياتنا" أو "حدودنا الثقافية والاجتماعية" مع الجميع بلا تمييز، نحن لا نمارس الانفتاح، بل نمارس "هدر الطاقة". هذا التجرد غير المدروس يجعلنا عرضة للاختراق النفسي، ويخلق حالة من الارتباك في الهوية؛ فنبدو كمن يحاول إرضاء الجميع بخلع عباءته الخاصة أمام كل عابر. التجرد هنا ليس تحرراً، بل هو "ضياع" يربكنا ويربك الآخرين في كيفية التعامل معنا.
لماذا نهرب من مرجعياتنا؟
إن الهروب إلى “التجرد الوهمي” هو في الحقيقة هروب من مسؤولية الفهم. حين ندّعي أننا بلا مرجعية، فنحن نعطي أنفسنا الحق في إطلاق أحكام مطلقة دون أن نراجع جذورها في أنفسنا. هذا الاغتراب الذي حذر منه فانون، وجعل إجناسيو مارتين بارو ينادي بعلم نفس يتحرر من القوالب المستوردة، هو ما نحتاجه اليوم: أن نتصالح مع هوياتنا لنستطيع نقدها وتطويرها، لا إنكارها والادعاء بالترفع عنها.
تجرد لأجل الأصالة
الإنسان لا يعيش مجرداً، بل يعيش "متصلاً". والقوة لا تكمن في خلع عباءة الثقافة، بل في فهم كيف نُسجت هذه العباءة وكيف تؤثر على خطواتنا. التجرد الحقيقي ليس انقطاعاً عن الأصل، بل هو مسافة كافية تسمح لنا برؤية الأصل بوضوح، لنتحرك في هذا العالم بـأصالة وليس بـادعاءات هشة.
/
